Pages

مارس 24، 2022

الواعظ الأمريكي والقس القبطي: الفشل في إدراك معنى الكنيسة والإنجيل


 عنوانان أثار جدلاً في المجتمعات المسيحية اليومين الماضيين. الأول، هو عن أحد الوعاظ البارزين في الولايات المتحدة. تم الكشف عن فيديو لأحد الخدمات التي قام بها الواعظ، وهو من عام 2002م. في كنيسة في كاليفورنيا، وأثناء العظة، قال إنه مضطر للخوض في "وضع سيء عن شخص لا يريد التوبة." وأضاف: "هذا هو ما يريده الرب. هو يريد التأديب... يرد أن تُطرد من الكنيسة، وأن تُفضح علنًا، وأن تُبعد عن الشركة. في هذه الحالة، هذا ينطبق على إيلين جراي." إيلين جراي والتي قطعها الواعظ (والقس) من شركة الكنيسة، كانت قد انفصلت عن زوجها وقدمت شكوى ضده لدى شيوخ الكنيسة أنه يسيء إليها ويستغلها نفسيًا وجسديًا. كان موقف الواعظ أن دعا الكنيسة لتصل لأجلها وأن "يتم معاملتها كشخص غير مؤمن" لأنها رفض "الإرشاد من مجلس الشيوخ، ومن كلمة الله." بالرغم أن إيلين انفصلت عن زوجها وأبلغت فقط الكنيسة، دون أن تبلغ الشرطة؛ إلا أنه ولاحقًا بعد الانفصال الذي رفضه قادة الكنيسة، تم القبض على زوجها السابق وهو يقضي الآن عقوبة 21 عام في سجن كاليفورنيا في ادانات أخرى تتلق بالاعتداء الجنسي بأطفال، واستغلال أطفال، واحداث إصابات جسدية لأطفال. أفادت الزوجة لاحقًا، أن قادة الكنيسة طلبوا منها أن "تتحمل لأجل المسيح" ولا تنفصل عن زوجها، كما دأبوا على زيارتها في المنزل وارسال خطابات تحذيرية أنه عليها أن تقبل التأديب وتمتثل لإرادة الكنيسة. (رحلة 20 عامًا)

الثاني، هو عن وفاة أحد القسوس الأقباط، والذين تم تجريده منذ أقل من عام بتهمة التحرش والاعتداء الجنسي على قاصرات وأخريات في أعمار مختلفة. يعود زمن هذه الأحداث لأكثر من عشرين عامًا. خلال تلك الأعوام من التجاهل التام من الرئاسات الكنسية للشكوى التي تقدمت بها المجني عليهن، استمر هذا القس في انتهاك ضحايا أخريات، سواء في مصر أو في المهجر. أخيرًا، في عام 2019 وبسبب الضغط الإعلامي على مواقع التواصل الاجتماعي، تم التحقيق معه واثبات التهم عليه. لكن، ما أثار الضجة أنه عند وفاته قامت الكنيسة بالصلاة عليه وتكريمه كأنه لازال على رتبته الكنسية، بالرغم أن أحد ضحاياه كانت قد انتحرت يأسًا. (رحلة تجاوزت 20 عامًا).

العنوانان هما مثال صارخ على مأساة الأصولية الدينية، حيث الانفصال عن الجماعة/المجتمع، وقراءة النصوص قراءة انتقائية مطلقة ومنعزلة عن لاهوت تلك النصوص؛ وعليه تصبح الأصولية تدعى أنها وحدها الأمينة على الدين وتفسيره وتطبيقه. في العنوان الأول، القس والشيوخ منفصلون تمامًا عن الجماعة، ومتسلحين بقراءة انتقائية مطلقة وبالتالي ضيقة للنصوص: "الانفصال هو فخ الشيطان" بتعبير أحدهم. لا مجال هنا لبحث قضية المرأة. هناك حكم مطلق. وهذا هو حال العنوان الثاني. الانعزال التام، "لا يمكن أن يكون الكاهن معتدي جنسي"، ولو كان فيجب مداراة الأمر حرصًا على صورة الكنيسة.

ليس من المناسب هنا، ارسال رسائل لقادة الكنائس. فلا جدوى. يعجز كثيرين عن فهم المبادئ الأولى للإيمان ومن ثم للاهوت. يجب مقاربة التفكير اللاهوتي على مستويين (لا أقصد ترتيب). المستوى الأولى هو المقاربة العقائدية dogmatic أي التي تختص بالعقيدة، أي تلك الثوابت غير المتغيرة والمُتعلقة بالله، وتواصله مع الانسان (الوحي)، وغيرها وهي التي تشكل حجر الأساس للإيمان. المستوى الثاني، هو المقاربة الاجتماعية للاهوت sociotheological، وهي التي تخصنا هنا.

اللاهوت في الجانب الاجتماعي منه، هو ديناميكي (متحرك ومتفاعل) بين الله والإنسان، من أجل الغاية النهائية لتلك الوصايا الاجتماعية وهي خلاص الإنسان. في مرقس 2: 27-28 جابه يسوع انتقاد الفريسيين أن تلاميذه يقطفون السنابل في السبت، بقوله "السَّبْتُ إِنَّمَا جُعِلَ لأَجْلِ الإِنْسَانِ، لاَ الإِنْسَانُ لأَجْلِ السَّبْتِ. إِذًا ابْنُ الإِنْسَانِ هُوَ رَبُّ السَّبْتِ أَيْضًا." تتجاهل الأصولية الجانب الإنساني والاجتماعي للإيمان المسيحي. الإله الذي أعطى الوصايا والتعاليم، هو بالحقيقة صار إنسانًا كاملاً أيضًا. كانت إشارة يسوع المُتضمنة أن ما فعلوه لم يكن خطأ طالما أنهم يفكرون فيمن جعل السبت سبتًا. في تفسيره لإنجيل مرقس يُشير متى هنري أن حفظ السبت كان تعليمًا إلهيًا مُقدسًا يجب أن نتقبله، وليس فريضة واستعبادًا. ولم يقصد به الله أن يكون إلزامًا ثقيلاً لنا، وبالتالي لا يجب أن نجعل منه نحن كذلك. لأن الله يهتم بنا تمامًا. إن فشل قادة الكنيسة في إدراك مأساة امرأة انفصلت عن زوجها، أو تسترهم على ع

قس معتدي جنسي، يدل أن هؤلاء لم يفشلوا فقط في فهم المعنى الحقيقي للوصايا الإلهية، لكن فشلوا أيضًا وتمامًا في إدراك المعنى الحقيقي للكنيسة والإنجيل أي الإيمان المسيحي برمته. قد يكون هذا تعليقًا قصيرًا على موضوعات أصابت الجماعات المسيحية بالهون، لكن إن لم تُدرك هذه فلن تفهم تلك.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق