Pages

Sunday, February 25, 2018

أبو رائطة التكريتي: مقاربة تحليلية نحو تجديد لاهوت الكنيسة العربية عن وحدانية الله

مينا فؤاد  - عماد عاطف
** هذه الورقة البحثية سبق نشرها بالإنجليزية في (يمكن الوصول إليها هنا)
Atef, Emad and Fouad, Mina. Abū Rāitạ al-Takrītī: A Case Study for the Renewal of the Coptic Orthodox Doctrine of the Oneness of God. Alexandria School Journal Volume 2 (July 2015), pp. 64-79
ثم قُدمت في اللقاء السادس والعشرون لمركز دراسات مسيحية الشرق الأوسط يوم 23 فبراير 2018 (يمكن مشاهدة جزء من الفيديو هنا)
مدخل:
تسعي هذه المقاربة إلى تحليل لاهوت الثالوث والوحدانية عند أبي رائطة التكريتي -وهو واحد من أشهر اللاهوتيين والمدافعيين الذين بزغوا في القرن التاسع الميلادي- هذا المقاربة تبحث مداخل لاهوت الثالوث والوحدانية لابي رائطة، ومنهجيته، و إسهامه في سياقه العربي- الإسلامي. بالإضافة إلي ذلك سوف تسعى إلي إجابة التساؤل حول إمكانية تطبيق أطروحة أبو رائطة عن الثالوث والوحدانية في السياق المصري والعربي المعاصر. وكإستنتاج نهائي، سوف يتم تقديم إقتراح لمدخل جديد لعقيدة الثالوث، و الذي عن طريقه يمكن توجيه والتأثير على إتجاهات الفكر اللاهوتي و الرعوي في سياق الخبرة المصرية-العربية المُعاصرة.

التاريخ و الدلالة:
إزدهرت المجادلات الإسلامية-المسيحية أثناء فترة الخلافة الأموية ثم بعد ذلك بوقت تطورت في زمن الخلافة العباسية و هي الخلافة الإسلامية الثالثة. فبلاط الخلفاء الأمويين في دمشق و العباسييين في  بغداد كان يعتبر مسرحًا لمناظرات المثقفين[1]. وفي زمن أبو رائطة كان قد تم تشجيع الجدل عن طريق الحكام المسلمين، حيث تم فرض الإسلام كأيدولوجية دينية للدولة مما عنى زيادة تدخل الدولة في الامور الدينية[2].
كان حبيب ابن خدمة أبو رائطة التكريتي (835م) شخصيةً بارزةً وسط من يُلَقَبون باليعاقبة (الكنيسة السريانية)، و قد قَبِل إشكالية الإجابة على اسئلة المسلمين و التي كانت تُطرح على رفقائه المسيحيين. قام أبو رائطة بكتابة أربعة نصوص - على الأقل- مطولة بالعربية، حول مواضيع متعددة ذات صلة و قد فُقِدَ نصاً واحداً منهم[3]. في الواقع قليل جدًا هو المعروف عن أبي رائطة، ويُقتَرح أنه وُلد في العراق في منتصف القرن الثامن[4]. وبحسب ديفيد توماس فالكنائس الشرقية، و خصوصاً الكنيسة القبطية، تمسكت تقليدياً بأن أبو رائطة كان أسقفاً ولو أن هذا محل شك. على الرغم من ذلك فمن العسير تَعقّبُه في النصوص القبطية، لذلك لا يوجد دليل صلب يدعم هذا الإدعاء [5]. لكن، وبوجه عام، فكل هذا يدعم أن أبو رائطة قد تمتع بمكانة كنسية مُعتبرةً على سبيل المثال في النصوص الأرمينية مثل نص Vardan Arewelc’i's Historical Compilation[6][7]
يمكن القول أن أبو رائطة كان ضليعاً في الفلسفة اليونانية مثلما يتضح من كتاباته. وعلى الرغم من أنه لا يوجد سيرة ذاتية تُلقي الضوء على خلفيته التعليمية، فهناك بعض الأدلة -التاريخية والنصية- التي يمكن أن تدعم إلمامه بالفلسفة اليونانية. فيحُتمل أن يكون ابن النديم قد ذكره بإسم "أبو رابطة" بالخطأ في كتابه الفهرست، حيث ذكر أن هناك من قاموا "بترجمة [الكتابات الفلسفية] من لغات إلى اللسان العربي"(ت.م.) [8] (الفهرست 7/1)[9] .

لاهوت و منهجية أبو رائطة:
النظرة الأولية في كتابات أبو رائطة التي وصلت إلينا تكشف أن مدخله لا يعتمد بالدرجة الاولى على إستخدام النصوص الكتابية كحجة إثبات، إنما بنى منهجه على الحجج عقلانية المبنية على المنطق[10]. فهو قد إستفاد من إهتمام علماء المسلمين في القرن التاسع بالفلسفة الهيلينية[11] لكي يقود خصومه إلى إدراك تماسك العقائد المسيحية[12].
إستخدم أبو رائطة هيكلاً محدداً في بناء دفاعه في عمليه الرئيسيين حول الثالوث و هم رسالته "في إثبات دين النصرانية و الثالوث المقدس" و "الرسالة الأولى  في الثالوث المقدس". فهو يبدأ بتحديد هدفه مستخدماً نصوص الكتاب المقدس، ثم ينطلق بعد ذلك مستخدماً التفسير المنطقي لشرح الثالوث. بالإضافة إلى ذلك، فكتاباته تمتاز بتخصيصها للمصطلحات القرآنية بصورة دقيقة و شاملة بالإضافة إلى إستخدام متطور بشدة للمفاهيم الفلسفية اليونانية و خصوصاً التي تتعلق بالميتافيزيقية الأرسطوطالية[13]. الجزء التالي سوف يحاول أن يُقدم نظرة مختصرة عن فكرة اللاهوتي الخاص بالثالوث على أساس كتابيه المذكورين آنفًا.

وحدانية الله
التقليد اللاهوتي الإسلامي يمنع أي نوع من التعددية داخل الذات الإلهية[14]، وخصوصاً ضمن قواعد اللغة العربية. فإحدى المشاكل الرئيسية للاهوتيين و اللغويين المسلمين في تلك الفترة هي حقيقة أن قواعد اللغة العربية تُشير أن أي صفة لكيان ما يعني بالضرورة أن لهذا الموصوف إسمًا، و هو الأمر الذي يُشير إلى وجود "نوع من الكينونة الحقيقية" لهذا الموصوف[15]، فربما بسبب نقل أعمال أرسطو الي العربية فقد إعتبر الكتاب والفلاسفة العرب أن كلمة "صفة" لا تعني "مجرد الحالة التي يكون عليها الشئ أو كيان ما"، بل إستخدمت كمكافئ للشئ أو الكيان نفسه[16].
ومن هنا أشار أبو رائطة إلى الأرضية المشتركة مع خصومه المسلمين في قضية وحداينة الله في قوله "و ان كنا وافقناكم في مقالتكم بان الله واحد"[17]. إلا أنه يعود ويفرق بين الإيمانين عن طريق التأكيد على أن "فما أبعد ما بين القولين فيما تظنونه [أنتم] وما نصف [نحن]"[18]. هذا التفريق هو في غاية الأهمية لأبو رائطة. فهو يُصَنِف ثلاث أنواع من التوحيد، فبالنسبة له فوحدانية الله إما أن تكون في "الجنس"[19] genus، النوع"[20] species،  و "العدد"[21] number.  ومُنطلِقًا من هذا التصنيف يشرع أبو رائطة في تحليل أنواع التوحيد تلك واحدة تلو الآخرى.
بالنسبة له، من المستحيل أن وحدانية الله هي وحدانية في الجنس، لأن ذلك سوف يجعل من الله "واحداً عاماً لأنواع شتى مختلفة لا يجوز في صفة الله"[22]. بعد ذلك ينتقل إلى النوع الثاني من الوحدانية و هي الوحدانية العددية، و ينتقد أيضًا هذا النوع من الوحدانية بعنف بطريقتين. الطريقة الأولى عن طريق إستخدام التشبيه بالإنسان[23]، ثم يستخدم الطرح الإسلامي الوارد في القرآن في سورة الشورى 11، و التي تؤكد على أن لا يوجد شيء مثل الله. وإنطلاقًا من التناظر بين وحدانية الإنسان و وحدانية الله، ينتقل للسؤال عما إذا كان أي شخص بشري هو واحد في العدد و ثم يسأل قائلاً "كيف يقبل عقولكم هذه الصفة التي لا يفصّل الهكم من سائر خلقه"[24]. إلى هذا الحد فنقطته واضحة. فوحدانية الله يجب ألا تُنَاقضَ تساميه و كماله. و يضيف أن التوحيد العددي يشير إلى نوع واحد من الأعداد أي الأعداد الفردية، و هذه الوحدانية يصفها قائلاً "التبعيض و النقصان"[25]. بالإضافة إلى ذلك فهو يوضح أن كمال الوحدانية العددية هي الوحدانية التي يجب أن تشمل نوعي الأرقام أي الأعداد الزوجية و الأعداد الفردية، وهذا [التوحيد العددي] يناقض تسامي الله. وقد جادل البعض أن مفهوم الأعداد الزوجي/ الفردي قد يَرجِعُ إلى أصلٍ آبائي، أو ربما إلى أرسطو و هو الإحتمال الاقوى، أو أفلاطون[26]. على الرغم من ذلك، فبغض النظر عن مصدر حجته، كما سوف نناقش لاحقاً، من المحتمل جداً أن نعتقد أن حجته كانت مقبوله ضمن دوائر اللاهوتيين و المدافعين العرب.
أخيراً، إن مدخله تجاه الحفاظ على كمال الله في كمال العدد يتضح حين يحاول أن يشرح الجدلية بين الواحد و الثلاثة. فيحلل الوحدانية على أنها في النوع فيقول "فالنوع ذوات شتى لا واحد فرد و ان كان في الجوهر واحد"[27]. لذا فوحدانية الله تُنسب إلى جوهره، أما هو "في العدد اي في الاقانيم ثلثة"[28]، لذلك فالله"واحد في الجوهر يعم اشخاص شتى"[29]. هذا النوع من التوحيد هو فقط الذي يحفظ تسامي الله، فهو متسامي "عن جميع حلقه و بريته محسوسة كانت ام معقولة لم يشبهه شئ و لم يختلط به  غيره بسيط غير كثيف روحاني غير جثماني يات على كل بقرب جوهره من غير امتزاج و لا لختلاط"[30].

التشبيهات المستخدمة
أشار أبو رائطة أن تسامي الله لا يمكن إنكاره حينما نقارنه بالمخلوقات سواء كانت مادية أو روحية[31].  وبينما إستخدم أبو رائطة العديد من التشبيهات، فقد ركز على أنه يجب أن يكون هناك "إجتهاد و مبالغة"[32] حتى نجد "من امكن الاشياء و اقربها مأخذ"[33]. وقد كان إستخدامه للعديد من التشبيهات لأنه رأي أن تشبيهاً واحداً هو غير كاف؛ لذا كان عليه أن يجمع تشبيهات عدة "لعجز الواحد منها عن بلوغ صفة الملتمس له قياساً"[34]. فقد استخدم تشبيه "مصابح ثلثة يوقد ضوئها"[35]. وهو يستخدم هذا التشبيه ليسلط الضوء على فكرة أن الوحدانية هي في جوهر و طبيعة الثلاث أشخاص المتمايزين الذين للثالوث. و يتسآل ما إذا كان الضوء يُعد واحداً أم ثلاثة، على الرغم ذلك فهو يُقر أن الضوء المنبعث من كل مصباح هو "ضوء كامل في الذات لا بعض الضوء"[36]، و لا نراه "يغادر ضوءه شيئاً و لا يسلب غيره من المصابيح خروجه"[37]. كما يرفض أيضاً الحل الثاني و هو  أن هناك ثلاثة أضواء[38]، حيث أنهم واحد "في الضوء و الانارة"[39]  في الغرفة، فليس هناك "تباين في المكان"[40]، لذا فهو يقترح طريقة ثالثة للتفكير. هذه الطريقة الثالثة هي  أن الضوء هو "واحد و ثلثة جميعاً معاً"[41]. من هنا فالوحدانية تتعلق "[ب]ماهية الضوء و جوهره"[42]، والثلاث تتعلق "[ب]المصابيح الخاص اللازم لكل واحد منها [الضوء]"[43].  أيضًا إستخدم تشبيه الشمس و الذي قد تم إستخدامه من قِبَل بعض الكتاب المسيحيين المبكرين (آباء الكنيسة). فالشمس كائنة في كيان واحد و فريد، "و جوهر واحد"[44] لكن لها "ثلثة خواص معروفة"[45]. فهناك وحدة في تمايز، "[ف]ليس القرص النور و لا النور الحرارة"[46]، بينما لهم "جوهر و احد و طبع واحد و قدرة واحدة ثلثة خواص مدروكة شمساً واحدة معروفة"[47]. ويضيف "فإذا كان ممكناً من المخلوقات المصنوعات فهل ينكر ذلك في  الخالق الصانع"[48]. و قد استخدم أيضاً تشابيه الافراد التي تتعلق بالخاص و العام، هذه التشابيه لها نفس فكرة الخاص و العام[49].
تشبيه آخر هو تشبيه الأسماء البشرية، وهو تشبيه يرجع إلى الآباء الكبادوك[50]. كما نجده أيضاً عند مدافعيين مسيحيين عرب آخرين (مثل: عمار البصري و ثيودور أبو قرة)[51]. يقول أبو رائطة أن خالد و سعد[52] هم بشر، فالجوهر هو مشترك بينهم بما أن كليهما لهم نفس الطبيعة، بينما كل شخص يختلف في الشخصية، لا نستطيع أن نصف البشر كسعد و كخالد و لكن نستطيع أن نقوم بالعكس[53].
بالإضافة إلى ذلك فهو يستخدم تشبيه[54] مختلف للإجابة عن تساؤل آخر يتعلق بعلاقة الثالوث. فآدم، حواء و هابيل هم من جوهر واحد و هو الإنسانية، يشرح "من غير ان يكون جوهرها مختلفاً"[55]، لكن هناك إختلاف في "الخواص"[56]. و كما أن آدم هو مصدر حواء و هابيل و لكن طبيعتهم الإنسانية هي واحدة. فـ"ادم والد لا ولد و هابيل ولد لا والد و حوى خارجة لا والدة و لا ولد خواص مختلفة لاقانيم متميزة جوهر متفق"[57]، و يضيف "كل واحد منهم بخاصيته اللازمة له منسوب بيها اعني الابوة و البنوة و الانبمثاق[58] مع التئامها و توحيدها جميعاً في الجوهر"[59].  
تشبيه آخر قد إستخدمه للحديث عن الجدلية التي تتعلق بألقاب الثالوث، فالثالوث يُلقِبُ الله و على الرغم من ذلك فكل شخص يُدعى أيضاً الله. فقد استخدم تشبيه الذهب ليوضح نقطته. يقول فالجوهر "كاسم الذهب العام لكل الذهب"[60]، و على الرغم من ذلك فكل شخص في الثالوث "كاسم الذهب العام لكل الذهب و بعض الذهب كامل لا بعض الذهبية"[61].

تأثير الكابادوك
كما أشرنا سابقاً، فأبو رائطة هو لاهوتي ليس بالهيِّنِ بل هو لاهوتي متمكن وضليع. وبينما هو قد تأثر بالسياق الإسلامي و بالمصطلحات الإسلامية بالتبعية، فق إستخدم مدخل الآباء الكابادوك لمقاربة الثالوث. و قد فرق بين مفهومين: الأول يتعلق "بالجوهر/ الماهية" و هو القابل للشركة فيه، بدون الزيادة أو النقصان في قياسه أو أجزاءه. الثاني، كما سبق و أشرنا يرتكز على مقاربة "الخاص و العام". و يُلخص إعتقاده في الثالوث قائلاً "فجوهر اللاهوت ثلثة أقانيم[،] ثلثة أقانيم جوهر اللاهوت جوهر"[62].
كذلك فمدخل أبو رائطة لولادة الابن مشابه لذلك الخاص بالكبادوك. فهو يرى أن الآب هو"عله أزلية"[63] للابن و الروح. فالتمايز بين أشخاص الثالوث في الخاصية الذاتيه و هي "والداً او مولوداً او خارجاً"[64]. و يقر أيضاً أن الأشخاص متمايزين في الأمور التالية "الاب بابوته و الابن ببنوته و الروح بخروجه من الاب"[65]. على الرغم من ذلك فهناك بعض العبارات التي قد تُشير إلى أنه يتعامل مع مجرد خصائص و ليس أشخاصاً حقيقيين. و هو الامر الذي يختلف كُليّاً عن الفهم المسيحي المبكر للثالوث كأشخاص/ علاقات. على سبيل المثال فهو يقول "خواص ذاتيه أي اقانيم جوهرية"[66]. لكن يبقى هناك إحتمال  أنه يُشير إلى فرادة كل خاصية أقنومية. وقد إمتد هذا النوع من الشرح الذي يرى الأقانيم كخواص ذاتية إلي العديد من الكُتاب المسيحيين الناطقين بالعربية حتى يومنا هذا.

ما بعد أبو رائطة و التطبيقات المعاصرة على اللاهوت القبطي المصري/ العربي المعاصر
من هنا، ننتقل من عرض أبو رائطة إلى اللاهوت القبطي المصري/العربي المعاصر. فالأقباط[67]/ العرب غالباً ما تم إتهامهم بانهم يؤمنون بتعدد الآلهة ، لذا حاول اللاهوتيين الأقباط/ العرب أن يدافعوا عن إيمانهم التوحيدي بناءً على الوحدانية العددية، و التي قد إنتقدها أبو رائطة بشدة. و هو ما أدى إلى مخاطر سوء الفهم في اللاهوت القبطي/ العربي المعاصر والتعاليم الدينية الكنسية لسر وحدانية الله. فهناك العديد من اللاهوتيين المعاصرين الذين يعتقدوا أن التمايز في الثالوث يتعلق فقط "بصفات ذاتيه"[68] . و تحول الثالوث من "الوالد، المولود و المنبثق" إلى "ذات، عقل/ منطق، حياة". و بذلك فقط نُسبت الحياة حصرياً للروح القدس بالخطأ، كما لو كان الآب و الابن بلا حياة في ذاتهم. الآب تحول من "الوالد" إلى مجرد "وجود"، و الابن وُصف فقط باللوغوس/ الحكمة كما لو كان بدون حياة و وجود. هذا الشرح اللاهوتي الخاطئ  أدى إلى فجوة كبيرة بين اللاهوتي الشائع/ الرعوي و اللاهوت العقيدي. في الواقع لقد طرح بروس د. مارشال سؤالاً لافت للنظر يجب أن نأخذه في إعتبارنا، و هو "هل يجب على الإيمان بالله الثالوثي أن يفشل في أن يقوم بعمل فارق نستطيع أن نتعقبه في حياة الجماعة المسيحية و خدمة أعضائها، صلاتهم، تعليمهم، وشركتهم؟"[69].
لذلك، فهذه المقاربة تقترح خروجاً من هذه المعضلة، من أجل النزاهة اللاهوتية في الكنائس المصرية و لأجل الحوار المسيحي-الإسلامي. إن إختيار أبو رائطة جاء كدراسة حالة ليظهر جانب مُهملا في التقليد اللاهوتي المصري/ العربي. على الرغم من ذلك فعلى المرء أن يُقر أن هناك العديد من اللاهوتيين و الذين قد دافعوا عن الإيمان المسيحي في السياق الإسلامي مستخدمين مدخلاً مشابهاً. لذا فالإقتراح هو إعادة تقييم اللاهوت الدوغمائي للكنيسة المصرية/ العربية، مع تقدير كامل للتقليد اللاهوتي المتوارث. فاللاهوت الثالوثي في الكنيسة المصرية/ العربية يجب ألا يُختزل في اللاهوت الثالوثي الأنطولوجي الخاص بالقديس أثناسيوس و القديس كيرلس. فعلى الكنيسة أن تضع في إعتبارها مجموع و تركيب كل إسهامات اللاهوتيين اللاهوتية على مدار تاريخ الكنيسة، لأن الروح القدس مازال يعمل و لن يتوقف عن العمل في كنيسته. فاللاهوتيين المعاصرين يستطيعوا أن يتعلموا من مدخل أبو رائطة لسر الوحدانية. فلو كان هناك تعريف واضح و بيّن حول وحدانية الله، نستطيع منه أن نبشر، سوف يكون هناك منصة صلبة و قوية للاهوت الثالوثي يتم توصيله بسهوله للمجتمع الإسلامي.
بالإضافة إلى ذلك فهذا المفهوم مُؤيَد عن طريق مفهوم الوحدانية في اليهودية. فمن خلال الفحص لجذور الإيمان التوحيدي ليهودية الهيكل الثاني، يتضح أن التوحيد اليهودي لم يكن مؤسس على الوحدانية العددية. و لكن كما يقول ريتشارد باكهام توحيد الذات/الهوية الإلهية. فتوحيد يهودية الهيكل الثاني لا يبدأ من سؤال "ما هي الإلوهة؟"[70] ولكن "من هو الله؟"[71]. فإله إسرائيل هو فريد، "فهناك خط يميز بين الله الواحد و كل الواقع"[72]. منتقلين إلى الإيمان المسيحي الثالوثي، فاللاهوت المسيحي لا يُصرح أن المسيح و الروح القدس هما آلهه منفصلة عن الله. فالمسيحيين الأوائل أعادوا التفكير في التوحيد اليهودي[73] في ضوء خدمة يسوع، إدعاءاته ذات السلطان، و إختيار التلاميذ إلى الخبرة المابعد-فصحية ثم في الكنيسة التي إختبرت "إختبارًا كاريزماتيًا"[74] و التي أجبرتهم على أن يدمجوا يسوع و الروح في داخل الذات (والهوية) الإلهية. فعقيدة الثالوث لا تظهر كنتيجة للتخمين الفكري، و لا "للإعلان الطبيعي"[75]، و لكنها كُشفت في "الخصوصية التاريخية لحياة، وموت و قيامة يسوع و في إنسكاب الروح على جماعة التلاميذ"[76].

ييبدأ أبو رائطة بتحليل الوحدانية بينما يُبقي على التمايز في الأشخاص في الثالوث. هذا الفهم منسوج بالعهد الجديد[1] و اللاهوت الآبائي. ومن هنا، فالإحتفاظ بسر الوحدانية في ذهننا، يجب أن يدفع اللاهويين المصريين/ العرب  إلى إتجاه تجديدي للعقيدة الأرثوذكسية و اللاهوت الليتورجي. بالإضافة إلى ذلك فالحركة من اللاهوت الدوغمائي إلى اللاهوت السياقي/الرعوي، يجب أن يؤكد على أن "عقيدة [الثالوث] يجب أن تكون على علاقة عميقة بحياة المسيحي العادية"[2]. ومثلما كتب كارل راهنر"[إن عقيدة الثالوث] تصبح واقعاً في حياة المسيحيين المادية"[3]. من هذا التجديد، سوف يكون هناك فهماً أشمل للكرامة الإنسانية و الحقوق، فالبشر لا يُفترض أن يتحاربوا مع بعضهم البعض، و ألا يقضوا على بعضهم البعض حتى يبقوا أحياءً، هناك شعور عميق بالفردانية الأنانية في مجتمعنا المعاصر. هذه العلاقة "أنا-هو" تُحل عن طريق فهم صحيح للشخصانية (نعني: العلاقة المتبادلة/ الترابط) للطبيعة الإلهية، لذا فالتعددية الإنسانية من الممكن أن تُقدر، و نستطيع أن نبدأ "بالفرح و الشكر"[4]. فالتمايز و "العلاقة الداخلية"[5] داخل الإلوهة تتسم "بالعطاء و الأخذ"[6]، في الواقع هذه الرؤية من "العطاء و الأخذ" تفتح مسار جديد إلى تقدير شامل للأعمال الخيرية، الصدقة. فالفعل بين أشخاص الثالوث هو عطية مجانية، و هو يختلف من مبدأ "التبادل الاقتصادي"[7]، فيجب أن نعطي مجاناً، يجب أن نعطف على الفقير ، و في تلك اللحظة فقط نستطيع أن نحافظ على وحدانية الجوهر الإنساني. في سياقنا العربي الإجتماعي حيث الأصولية المكتملة و الكراهية في كل جوانب الحياة، لذا فعلينا كمسيحيين  على الأقل أن نكون نوراً في العالم و ملحاً لهذا العالم الفاسد. ففي كنايسنا يجب أن نقدر الخصائص و الفرادة لكل شخص في المجتمع، لأن ذلك هو الجوهر الإنساني الذي يجمعنا. إن الإعتداء على المرأة في حضارتنا يمكن أن يُقضى عليه إذا واجه اللاهوت الأرض في البيوت. إذا كان اعتقد الذكر أن وجودة يعتمد على التعددية، فلن يكون هناك [هرطقة] "الخضوع" (الأريانية)، و لا [هرطقة] "الفصل" (تعدد الآلهة) و لا إمتزاج (الشكلانية)بين الجنسين. فالفهم الحقيقي لسر الوحدانية هي الطريق الوحيد لسر الثالوث، هذا الإستنتاج سوف يفتتح ملكوت الله.




[1]  في الواقع لقد تحدث يسوع مع أبيه مُظهراً أنهم بالفعل شخصين و ليسا مجرد صفات.
[2] Gareth Jones, ed., The Blackwell Companion to Modern Theology, 186.
[3] السابق
[4] Kevin J. Vanhoozer, The Cambridge Companion to Postmodern Theology, 192.
[5] السابق 197
[6] السابق
[7] السابق


[1] “Esgrimiendo la pluma: polémica y apologética religiosa entre judíos, cristianos y musulmanes (siglos XIII al XV)”, in L'esplendor de la Mediterrània medieval (segles XIII-XV). (Barcelona: IMED, 2004), 2.
[2] Jean Jacques Waardenburg, ed., Muslim Perceptions of Other Religions: A Historical Survey (New York: Oxford University Press, 1999), 42.
[3] David Thomas, ed., the History of Christian-Muslim Relations, vol. 6, The Bible in Arab Christianity (Leiden: Brill, 2007), 259.
[4] David Thomas and Barbara Roggema, eds., The History of Christian-Muslim Relations, vol. 11, Christian Muslim Relations: a Bibliographical History (Leiden:Brill, 2009), 553.
[5] David Thomas, ed., the History of Christian-Muslim Relations, vol. 6, 259.
[6] السابق 259.
[7] وهو نص يرجع للقرن الثالث عشر.
[8] لقد قام المترجم بترجمة بعض النصوص كما وُرد ذكرها باللغة الإنجليزية في المقالة الأصلية و أحياناً أخرى قام المترجم بالرجوع للنص العربي في النصوص الأصلية. سوف يتم التنوية بجانب النص عن طريق إستخدام حرفيّ التاء و الميم في قوسين (ت.م.) للإشارة إلى أن النص هو من ترجمة المترجم و ليس النص العربي الوارد في النص الأولي [المترجم]
[9] Muḥammad ibn Isḥa q Ibn al-Nadi m and Bayard Dodge, Records of Civilization: Sources and Studies, vol. 83, The Fihrist of Al-Nadim: a Tenth Century Survey of Muslim Culture (New York: Columbia University Press, 1970), 287.
[10] David Thomas, ed., the History of Christian-Muslim Relations, vol. 6, 261.
[11] توافرت النصوص اليونانية و العربية للأفلاطونية المحدثة وارسطو منذ القرن الثامن والعاشر الميلادي مع العصر العباسي
[12] السابق
[13] Thomas W. Ricks, Early Arabic Christian Contributions to Trinitarian Theology, Emerging Scholars (Minneapolis: Fortress Press, 2013), 12.
[14] Thomas W. Ricks, Early Arabic Christian Contributions to Trinitarian Theology, Emerging Scholars (Minneapolis: Fortress Press, 2013), 11.
[15]  السابق
[16] للمزيد حول هذه النقطة إنظر: هاري أ. ولفسون, فلسفة المتكلمين, الطبعة الثالثة, vol. المجلد الأول, 721/3 (القاهرة: المركز القومي للترجمة, 2016), 98–192; ساويروس بن المقفع, مصباح العقل, ed. سمير خليل اليسوعي (الاب), التراث العربي المسيحي 1 (القاهرة, 1978), 27.
[17] Sandra Toenies  Keating, The History of Christian-Muslim Relations, vol. 4, Defending The "People of Truth" in the Early Islamic Period: The Christian Apologies of Abu Ra'itah (Leiden: Brill, 2006), 170.
[18]  السابق
[19]  السابق
[20]  السابق، 172
[21]  السابق
[22]  السابق
[23]  السابق
[24]  السابق 174
[25]  السابق 174
[26] Sara Leila Husseini, “Early Christian Explanations of the Trinity in Arabic in the Context of Muslim Theology” (Phd diss., School of Philosophy, Theology and Religion University of Birmingham, March, 2011), University of Birmingham Research Archive, 164.
[27] Sandra Toenies Keating, The History of Christian-Muslim Relations, vol. 4, Defending The "People of Truth" in the Early Islamic Period: The Christian Apologies of Abu Ra'itah (Leiden: Brill, 2006), 174
[28]  السابق 176
[29]  السابق 174
[30]  السابق 176
[31]  السابق 104
[32]  السابق 104
[33] السابق 104
[34]  السابق 104
[35]  السابق 104
[36] السابق 104
[37] السابق 104
[38] السابق 106
[39] السابق 106
[40] السابق 106
[41]  السابق 106
[42] السابق 106
[43] السابق 106
[44] السابق 112
[45] السابق 112
[46] السابق 112
[47] السابق 112
[48] السابق 112
[49]  هذه التشبيهات هي: أسماء الأشخاص، عائلة آدم، الذهب ... إلخ
[50] Michael C. Rea, Oxford Readings in Philosophical Theology, vol. 1 (Oxford: Oxford University Press, 2009), 30
[51] Sara Leila Husseini, “Early Christian Explanations of the Trinity”, 184.
[52] لقد استخدم غريغوريوس النيصي هذا التشبيه قبلاً، لقد كتب"فالآن إذا كان إثنين أو أكثر هم [رجال] بنفس الطريقة، مثل بولس و سيلاس و تيموثاوس ، نتيجة لأن جوهر الرجل هو مجال البحث، فالمرء لن يستنتج أن جوهر بولس هو مختلف عن سيلاس و يختلف أيضاً عن جوهر تيموثاوس، و لكن ايا ما كان يُظهر يحدد جوهر بولس، فهي أيضاً تناسب الآخرين أيضاً [سيلاس و تيموثاوس]". و "فهؤلاء واحداً في الجوهر Homoousioi إحداهم الآخر، و الذي يتم وصفهم بنفس الصيغة التي تتعلق بالكيان" وُردت في
Michael C. Rea, Oxford Readings in Philosophical Theology, vol. 1, 119
[53] ٍSandra Toenies Keating, The History of Christian-Muslim Relations, vol. 4,110.
[54] Sara Leila Husseini, “Early Christian Explanations of the Trinity”, 175
[55]  ٍSandra Toenies Keating, The History of Christian-Muslim Relations, vol. 4,  200.
[56] السابق 200
[57] السابق 200
[58] كما جاء النص العربي في كتاب
 Sandra Toenies Keating, The History of Christian-Muslim Relations, vol. 4, 114.
[59] Sandra Toenies Keating, The History of Christian-Muslim Relations, vol. 4, 114.
[60] السابق 210
[61] السابق 210
[62]السابق 186
[63] السابق 114
[64] السابق 188
[65] السابق 188
[66] السابق 112
[67]  في هذا الجزء نقصد بالقبطي ليس فقط القبطي الأرثوذكسي/ الكاثوليكي و لكن السياق المسيحي المصري ككل
[68] Michael C. Rea, Oxford Readings in Philosophical Theology, 113.
[69] Gareth Jones, ed., The Blackwell Companion to Modern Theology (Oxford:Blackwell, 2007), 186
[70] Richard Bauckham, Jesus and the God of Israel: God Crucified and Other Studies On the New Testament's Christology of Divine Identity (Grand Rapids, Mich.: Eerdmans, 2009, 2008), ix.
[71]  السابق
[72]  السابق 3
[73] Michael C. Rea, Oxford Readings in Philosophical Theology, vol. 1 (Oxford: Oxford University Press, 2009), 30
[74] السابق 22
[75] Kevin J. Vanhoozer, The Cambridge Companion to Postmodern Theology, Cambridge Companions to Religion (Cambridge: Cambridge University Press, 2003), 191
[76] السابق
[77]  في الواقع لقد تحدث يسوع مع أبيه مُظهراً أنهم بالفعل شخصين و ليسا مجرد صفات.
[78] Gareth Jones, ed., The Blackwell Companion to Modern Theology, 186.
[79] السابق
[80] Kevin J. Vanhoozer, The Cambridge Companion to Postmodern Theology, 192.
[81] السابق 197
[82] السابق
[83] السابق


No comments:

Post a Comment