Pages

Monday, December 5, 2016

هل جاء مرقس الرسول بالفعل الي مصر؟!

مرقس الرسول ونشأة المسيحية في مصر
وردتني أسئلة كثيرة حول القديس مرقس وإذا كان قد جاء بالفعل إلى مصر. وفي كل مرة أقوم بإلقاء محاضرة عن نشأة المسيحية في مصر يكون هذا السؤال هو من أول الأسئلة التي أتلقاها.
هذا مقال مُبسط عن مرقس الرسول ونشأة المسيحية في مصر (وحيث أن المسيحية المصرية المُبكرة هي أمر معقد، سأكتفي هنا بمحاولة تقديم إجابة عن وجود مرقس في مصر).

تعتبر الكنيسة المصرية خاصة (والمسيحية الافريقية عامة) أن القديس مرقس هو مؤسس المسيحية في مصر وافريقيا. لكن على الجانب الآخر هناك جدل في بعض الاوساط إذا كان مرقس قد جاء الي مصر بالفعل[1] وان المسيحية المصرية هي نتاج ارساليات تبشيرية جاءت من روما ثم صغيت حولها القصص المتعلقة بمرقس والاسكندرية.
الغموض يكتنف التاريخ المبكر للمسيحية الأولى على الأخص في مصر في القرنين الأول والثاني للميلاد، لكن هناك دلائل كثيرة تشير إلى أن كنيسة أورشليم هي أقدم مصدر للكنيسة المسيحية في مصر، وأن المسيحية المبكرة في مصر كانت يهودية الأصل.
الحقيقة التي يجب ان تبقى ماثلة في اذهاننا هي ان تاريخ المسيحية في مصر قبل زمن الامبراطور هدريان (117-138م) مُبهم، كما ان معرفتنا بالغنوسية في مصر قبل زمن هدريان هي اكثر غموضا من المسيحية غير الغنوسية فيها[2].
أقدم المصادر التي لدينا عن وجود المسيحية في مصر منذ وقت مبكر جدًا نجده في سفر الأعمال (24:18-25):
" ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَى أَفَسُسَ يَهُودِيٌّ اسْمُهُ أَبُلُّوسُ إِسْكَنْدَرِيُّ الْجِنْسِ رَجُلٌ فَصِيحٌ مُقْتَدِرٌ فِي الْكُتُبِ. كَانَ هَذَا خَبِيراً فِي طَرِيقِ الرَّبِّ ( δός من المحتمل ان طريق الرب هو المسيحية). وَكَانَ وَهُوَ حَارٌّ بِالرُّوحِ يَتَكَلَّمُ وَيُعَلِّمُ بِتَدْقِيقٍ مَا يَخْتَصُّ بِالرَّبِّ. عَارِفاً مَعْمُودِيَّةَ يُوحَنَّا فَقَطْ."
وتضيف مخطوطة بيزا (القرن الخامس/نص غربي) جملة: "وكان قد تعلم الكلمة في موطنه"
ما الذي يمكن ان نستنتجه من النص؟
1. كان أبلوس يهودي الأصل، وقد تعلم الكلمة في موطنه: الإسكندرية مما يفترض معه وجود مسيحيين في مصر  في أواخر الأربعينات وأوائل الخمسينات من القرن الأول الميلادي.
2. كان أبلوس حارًا بالروح مقتدرًا في الكتب ويُعلم أيضًا
3. كان ابلوس يعرف معمودية يوحنا فقط، لكن لم يكن يعرف معمودية الروح القدس (رج اع 1:19-5)، أي لم يكن بعلم بحادثة الروح القدس التي كان مر عليها أكثر من عشرين سنة.
هذه الملاحظات لا يمكن تعميمها على شكل المسيحية في مصر في ذلك الوقت دون أدلة كافية، وهذه الأدلة ليست متوافرة بعد، لكن من المؤكد انها دليل قوي على وجود المسيحية على الاقل بين اعوام 40-50م في مصر.

التقليد الخاص بمار مرقس
التقليد المستقر في مصر ان مرقس الرسول هو مؤسس هذه الكنيسة. العهد الجديد لا يعطي رابطًا مباشرًا بين مرقس ومصر لكنه يعطي أهمية لمرقس ذاته ففي بيته امه حل الروح القدس واكل يسوع الفصح... إلخ. سفر الأعمال نجد مرقس مرافقًا لبولس وبرنابا  (اع 25:12، أع 5:13، اع 39:15) وهو أحد أقرباء برنابا (2كو 10:4- ربما لهذا نجده يشغل مكانه كبيرة في أحد الكتابات المنحولة التي تُدعى أعمال برنابا)، بعد هذا لا نسمع عن مرقس شيئًا.
لكن هناك العديد من المصادر الأخرى التي تربط بين مرقس وإنشاء كنيسة الإسكندرية:
1. كلمنضس السكندري (القرن الثاني، 150-215م) في الرسالة الي ثيؤدور  15.1- 2.2 (وهو نص مازال موضع جدل)
2. يوسابيوس القيصري (القرن الرابع، 325م): "يقولون ان مرقس هذا كان أول من أُرسل إلى مصر، وأنه نادى بالإنجيل الذي كتبه وأسس الكنائس في الاسكندرية أولا..." (تاريخ الكنيسة 2: 24.16) وبحسب يوسابيوس يفترض ان مرقس جاء في السنة الثالثة لحكم كلوديوس اي سنة 43م.
3. يوحنا ذهبي الفم (القرن الرابع، 347-407م) في عظته على انجيل متى 3.1
4. أعمال برنابا (القرن الخامس الميلادي)
5. تاريخ بلاديوس اللوزياكي (القرن الخامس الميلادي) يتحدث عن قبر مرقس في الاسكندرية
6. عمل إستشهاد بولس وبطرس اللاتيني (القرن الخامس الميلادي) يتحدث كذلك عن قبر مرقس في الاسكندرية
7. قصيدة شعرية لبولنيوس من نولا (353-431م) يتحدث فيها عن إستشهاد مرقس في الاسكندرية
8. السنكسار القبطي (القرن الثالث عشر)
أنظر باقي المصادر:

  بالإضافة للمصادر العربية مثل تاريخ البطاركة الذي يُنسب جزء منه لإبن المقفع اسقف الإشمونيين.
نقرأ من أعمال مرقس Acta Marci (عن Pat. Gr. 881)[3]
"2. ...كشف له [أي مرقس] (الله في رؤيا) أنه ينبغي ان يذهب الي منارة الاسكندرية، ويبذر بذور الايمان هناك... 3. وجاء القديس مرقس في اليوم التالي الي الاسكندرية عام 45. وبعدما ترك السفينة، ذهب الي مكان يدعى ميديون، ولما دخل باب المدينة، انقطع صندله فجأة. ولما راي اسكافيا اعطاه له ليصلحع. الا ان مثقابه اصاب يده اليسرى، فصاح [الاسكافي] فورًا وقال: "يا الله الواحد"، فلما سمع مرقس هذه العبارة فكر في نفسه ثم قال مبتسمًا: ان الله قد انجح رحلتي. وتفل على الارض، وصنع طينًا وطلى يد الرجل، وقال: باسم يسوع المسيح، الكائن الي الابد، كن معافى". فبرئت يده في الحال. ولما رأي الاسكافي ما فعله الرسول مرقس، ومدة تأثير صلاته، وحياته الفاضلة (مهابته) قال له: يارجل الله تعال اليوم وحل ضيفًا على خادمك، لنأكل خبزًا معًا..."
تتضمن أعمال مرقس ملامح للمسيحية المبكرة في مصر:
صرخة التوحيد (الله الواحد)، وإسم اول من اعتنق المسيحية "إنيانوس/ حنانيا"، وإشارة مرقس إلى أنبياء العهد القديم خلال تعليمه عن المسيح، وأسماء الأماكن التي وردت في النص: كل هذه الاشياء جميعها تدل ان إنيانوس كان يهوديًا، والقصة مشبعة بآثار الهوية الإجتماعية للكنيسة الأولى في الاسكندرية- تلك الجماعة التي تشكلت على نطاق واسع من عناصر يهودية هلليستينية اعتنقت المسيحية.[4]
وبالرغم من ان نُسخًا أخرى من القصة تُشير بوضوح أن انيانوس كان وثنيًا؛ إلا ان الشواهد الأخرى والتي يوردها Colin Roberts في Manuscripts, Society and Belief in Early Christian Egypt تدعم بشدة ان المسيحية المبكرة في مصر (الإسكندرية) نشأت في الوسط اليهودي أولاً.
وهناك  نظرية طرحها Modrzejewski في Jews of Egypt (pp. 227-30) مفادها أن المسيحية اليهودية الأصل تم القضاء عليها خلال قمع التمرد اليهودي في الاسكندرية (115-117م) ، لتحل محلها بعد ذلك المسيحية الوثنية والتي لم تشارك في هذا التمرد.
هناك إشارات أخرى لنشأة المسيحية في القرن الأول في وسط يهودي في الإسكندرية. رسالة برنابا، والتي يتوافق اسلوبها التفسيري مع يهودية ومسيحية الإسكندرية، بالإضافة ان اول شهودها هو كليمنضس السكندري والذي اعتبرها ضمن الاسفار القانونية، يُرجح انه تم تدوينها عام 70م في الإسكندرية.[5] شاهد آخر وهو رسالة من الإمبراطور كلوديوس الي السكندرية (مؤرخ بتاريخ 10 نوفمبر عام 41م) حيث يقول: "لا يجب أنهم [أي يهود الإسكندرية] يقبلون او يدعون يهودًا قادمين من سوريا او مصر، وإلا سأكون مجبرًا على وضعهم تحت قيد الشك. ولو لم يطيعوا، سأصعد ضدهم بكل طريقة كما يتفشي الوباء في العالم كله"[6]، يقترح بيرسون أن تعبير "يهودًا من سوريا" ربما يشير الي وجود ارساليات يهودية مسيحية قادمة من فلسطين.[7]لا يوجد دليل مؤكد على هذا الإقتراح لكنه يبقى إقتراحًا مقبولاً.
الخلاصة
الإشارات المبكرة في سفر الأعمال عن ابوللوس، وتلك التي تأتي من وثائق مسيحية مرجح بشدة نشأتها في الإسكندرية، تتوافق بشدة مع التاريخ المرجح لمجئ مرقس الي مصر (43-45م). ويشير بيرسون إلى ان التقليد الخاص بإرتباط مرقس بالمسيحية في مصر يمكن تتبعه بثقة إلى القرن الثاني ويرجح بشدة انه نشأ في فترة مبكرة عن ذلك.[8]
يشير ايضًا توماس اودين إلى الذاكرة الافريقية الخاص بمرقس، فالتقليد الخاص بمرقس يمتد الي القيروان في ليبيا[9] (راجع في هذا كتاب دواد حلاق: مرقس الانجيلي:دراسة موجزة عن سيرته، والصادر عن مصلحة الآثار الليبية). بالنسبة لتوماس أودين فمجئ مرقس الي مصر وارتباطه بالمسيحية المبكرة فيه أمر لا شك فيه، بالتقاليد المبكرة وتلك المتأخرة تشير بشدة الي تقليد شفهي مبكر جدًا ربما يكون ايضًا مدونًا.[10]

الذاكرة الافريقية
يقدم توماس أودين دليلاً قويًا على حضور مرقس إلى افريقيا عن طريق ما أسماه "الذاكرة الإفريقية".[11] والذاكرة بحسب أودين هي "الطريقة التميزة للنظر الي التاريخ من داخل الخبرة الخاصة."[12] لاقت النظريات الخاصة "بالذاكرة الإجتماعية" رواجًا كبيرًا في الفترة الأخيرة، ولعبت دورًا هامًا في الدراسات التاريخية المسيحية وغير المسيحية.[13] وتشير الذاكرة الإفريقية بحسب توماس أودين إلى تاريخ قوامه ألفي عام، يحتضن تقليدّا تمت مشاركته عبر القارة الإفريقية كلها، حيث لايزالون يتذكرون هذا التقليد بشكل مميز.[14]لتأصيل تاريخية حدث ما قد ترسخ في الذاكرة الإفريقية فلابد من توافر عدة عناصر:[15]
1) للحدث ذاكرة عامة مشتركة في كل القارة الإفريقية
2) يتم تذكر الحدث بنفس التفاصيل المتشابهة تقريبًا
3) تنتشر روايات الحدث بالعديد من اللغات الافريقية المحلية
في حالة "مار رمرقس"، فروايات ميلاده وحياته وموته في افريقيا، اتسمت بالملامح العامة منها:[16]
1) كانت هوية مرقس معروفة معرفة جيدة، ويتم اعادة سرد القصة في كل انحاء افريقيا
2) يتم تذكر القصة بنفس الطريقة مع ذكر نفس العناصر الاساسية فيها
3) الإجماع في السرد طوعي وبحرية كاملة
4) تم سرد الحدث على مدى الفي عام تقريبًا، وقبل الاسلام بستة قرون كاملة
5) في معظم اللغات المحلية الرئيسية في افريقيا
Metropolitan Museum of Art, 11th Century, Ivory
هذه الذاكرة الحية لمار مرقس وارتباطه بإفريقيا حتى اليوم، مع كم وافر وغزير من الادب الافريقي الثانوي عن مرقس الافريقي يجب ان ينظر اليها بعين الاعتبار، فهذه الذاكرة لا يمكن ان تنشئ من الفراغ، خاصة وانها تنشأ حول شخص "مرقس" لم يكن بقدر شهرة بطرس وبولس، وكان يفترض لو ان روايات مرقس في افريقيا مزيفة ان تزيف حول اسم اكثر شهرة ولمعانًا من مرقس.



[1] Christina Riggs, The Oxford Handbook of Roman Egypt (OUP Oxford, 2012), 475–76.
[2] اثناسيوس المقاري, الملامح الوثائقية والليتورجية لكنيسة الإسكندرية في الثلاثة قرون الأولى, 2010, 22.
[3] Alla I Elanskaya, The literary coptic manuscripts in the A.S. Pushkin state fine arts Museum in Moscow (Leiden [etc.]: Brill, 1994).
[4] See: Birger A Pearson, Earliest Christianity in Egypt: Some Observations (Claremont, Calif.: Institute for Antiquity and Christianity, 1986), 132–59; Cited in: ستيفين ديفيز, باباوات مصر: الباباوية القبطية المبكرة (القاهرة: المركز القومي للترجمة, 2013), 51.
[5] See: Michael W. Holmes, The Apostolic Fathers: Greek Texts and English Translations, 3 edition (Grand Rapids, Mich.: Baker Academic, 2007); Wilhelm Pratscher, ed., The Apostolic Fathers: An Introduction (Waco, Tex: Baylor University Press, 2010).
[6] Cited in: Birger A Pearson and James E Goehring, The Roots of Egyptian Christianity (Philadelphia: Fortress Press, 1986), 134.
[7] Ibid., 135.
[8] Ibid., 144.
[9] See: Thomas C Oden, The African Memory of Mark: Reassessing Early Church Tradition (Downers Grove, Ill.: IVP Academic, 2011).
[10] Ibid., 233.
[11] See: Oden, The African Memory of Mark.
[12] Ibid., 27.
[13] See: Alan Kirk, Tom Thatcher, and Society of Biblical Literature, Memory, Tradition, and Text: Uses of the Past in Early Christianity (Atlanta: Society of Biblical Literature, 2005); Werner H. Kelber, Imprints, Voiceprints, and Footprints of Memory: Collected Essays of Werner H. Kelber, vol. 1 (SBL Press, 2013); Barbara J Denison, History, Time, Meaning, and Memory: Ideas for the Sociology of Religion (Leiden [etc.]: Brill, 2011); Rafael Rodriguez, Structuring Early Christian Memory: Jesus in Tradition, Performance and Text. ([Place of publication not identified]: T & T Clark, 2015).
[14] Oden, The African Memory of Mark, 27.
[15] Ibid., 27–28.
[16] Ibid., 28.

No comments:

Post a Comment