Pages

Sunday, November 20, 2016

هل التعليم بوراثة خطية آدم تعليم أبائي؟!

أشرف بشير (كاتب زائر)
هدف المقال ده هو  طرح الخلفية الاكاديمية للخلاف حول مسألة وراثة ذنب/خطية آدم: إحنا بنورث الخطية؟ ولا مجرد بنورث الطبيعة الفاسدة؟!!...
المقال مكون من عشرة نقاط، يقرأ ككل أو يُترك ككل: يعني لو مينفعش تقرأ جزء وتسيب جزء.

1. عشان نفهم أصل الخلاف من منظور أكاديمي، تعالوا نشرح بعض الأساسيات اللي ممكن كتير ميكونوش عارفينها في علم الآبائيات (Patrologia) ... التراث الآبائي بيتقسم في علم الباترولوجي جزئين كبار: Graeca (يوناني) و Latina (لاتيني) ... وفيه اقسام صغيرة صنفت على اساس لغوي زاي Syriaca (سرياني) و Orientalis (ديه تشمل التراث القبطي والاثيبوبي والارمني) ... ورغم التصنيفات القسمية الصغيرة اللغوية، إلا ان في علم الـ Patrologia بتتحط الاقسام ديه ضمن الـ Graeca، على اعتبار انها نفس الفكر ... ففي التصنيف الاكاديمي لدراسة فكر الآباء هم اتنين Graeca و Latina
2. ناخد خطوة كمان لورا ... نراجع بعض الأصول ... المسيحية انتشرت في العالم كله على ايدين خمس كراسي عظمى (مدن)، المدن ديه هى اللي كانت مراكز تعليم قوية ومن داخلها انشأت تجمعات ايمانية في أماكن متعددة اما قريبة جغرافيا أو لغويا (لإن اللغة كانت بتنتشر بالحروب والاستعمارات حتى لو حغرافيا مكنوش قريبين من بعض)، الخمس كراسي دول هم: القسطنطينية، الاسكندرية، أنطاكية، أورشليم، روما

3. نرجع تاني لموضوعنا عن مصادر الأرثوذوكسية ونشرح التيارين الرئيسيين:
     أ. الـ Graeca هم الآباء اليونان، وهنا يونان نسبة لثقافتهم مش للغتهم (وإن كان أغلب كتاباتهم يونانية إلا بعض الكتابات المحلية الاقليمية اللي اتكتبت قبطي وسرياني) ، وهم الكراسي الأربعة الكبري: القسطنطينية، الاسكندرية، أنطاكية، أورشليم ... دول يعتبروا أساس الأرثوذوكسية ... واللي بيميز فكرهم انه رواقي فلسفي مهتم بالتساؤلات الانطولوجية (عن الوجود وتنوعه وأصله واستمراره وكينونته)، يمكن مختاروش يكون ده فكرهم، بس خلافات زمكانهم أجبرتهم يكتبوا من المنطلق ده ... يعني الكنيسة الأرثوذوكسية بتعتمد على كتاباتهم لفهم العقائد وتتبع أصولها الأولية وإيمان الكنيسة الأولي، وهم المرجعية الأولي لشرح العقيدة المسيحية بحسب الأرثوذوكس.
     ب. الـ Latina هم الآباء اللاتين، ودول اللي هم كرسي روما فقط، كان متفق مع الكنائس الأربعة الأولي في الايمان لمدة 1000 سنة، وكان الآباء اليونان متعايشين معاه رغم تياره الفكري المبنى علي أسس قانونية، وأساس التيار ده اتأسس بفكر شخصين مميزين على وجه الخصوص: امبروسيوس و اغسطينوس، هم بدون جدال أساس الفكر اللاتيني كله، فكر معتمد على القانون والحقوق والواجبات، فكر بيعتمد على نظام لو وصفناه بمصطلحات حديثة فهو نظام اقطاعي ملكي ... وهم كمان مختاروش يكون ده توجههم، ولكن ثقافتهم وليدة زمكانهم هم كمان.

4. نرجع دلوقتي لموضوع الخطية وتوارثها ... ونشوف الفرق بين الفكرين: اليوناني الشرقي واللاتيني الغربي
في الفكر الشرقي وعلى رأسه آباء الاسكندرية زي  اثناسيوس و كيرلس الكبير والآباء الكبادوك:  غريغوريوس النزينزي، غريغوريوس النيسي، و باسيليوس وغيرهم من جوقة آباء الشرق في امبراطورية الروم، عبروا عن خطية آدم كفقدان للصورة الأصلية الإلهية في الإنسان، واللي "نتج" عنه كان فساد طبيعة الإنسان، وعلموا بإن البشر توارثوا الطبيعة المشوهة ديه اللي صار للموت سيادة عليها، وكانوا بيستخدموا الفاظ بالتناوب زاي "موت" و "خطية" و "فساد" ... وصار كل مولود حامل فساد طبيعته، حامل طبيعة مائتة، والطبيعة ديه سببت خطيته، خطيته الخاصة ... لان الفساد والخطية والموت لا يمكن فصلهم إلا عقليا ، الفساد يؤدي للخطية والخطية تؤدي للفساد، الفساد يؤدي للموت والموت يؤدي للفساد، الخطية تؤدي للموت والموت يؤدي للخطية، يعني علاقة متبادلة لا يمكن فصلها في صورة سبب ومسبب او تدرج زمني، لان الأصل في الطبيعة المشوهة اللي انتجت الثالوث ده هو ثالوث فلسفي من خلفيتهم الزمكانية الانطولوجية ... ففي ايمانهم ما يورث هو الطبيعة ومنها يخطئ الانسان ويفسد ويموت. (اللي عاوز يرجع لنصوص الابائية يقدر يرجع لتجسد الكلمة، وشروحات كيرلس الكبير للأناجيل... وغيرها وكلها منشورة بالعربية عن طريق مركز دراسات الاباء)

5. بالنسبة للفكر اللاتيني على راسه امبروسيوس واغسطينوس، فالموضوع قانوني بحت، الانسان ربنا خلقه وكرمه كسيد وسلطان على كل الأرض، بالخطية تعدى وصية ملك الملوك ورب الأرباب، واستوجب "عقوبة" الموت، وفسدت طبيعته كمان ... وصار كل مولود من زرع بشر محكوم عليه بعقوبة الموت اللي كانت في آدم، لإنه توراث "ذنب" خطية آدم و "عقوبة" خطية آدم، لإن في الفكر اللاتيني فيه ثالوث تاني من ثقافة زمكانهم وهو ثالوث قانوني ملكي ... فالخطية (التعدي) تسبب ذنب والذنب يسبب عقوبة، وعلى منوال الثالوث الفلسفي الشرقي (خطية -فساد - موت) ، كان ثالوثهم القانوني الغربي (تعدي - ذنب - عقوبة )... بس اللي يميز ثالوثهم انه علاقة اركانه مش متبادلة، ولكن في اتجاه واحد، التعدي، يسبب ذنب اجرامي، يسبب عقوبة عادلة ... فصار في ايمانهم ان ما يورث للانسان من آدم هو "الذنب" و "العقوبة"، ذنب وعقوبة آدم الناتج عن خطية آدم

6. كتير فاكرين ان عقيدة وراثة ذنب وعقوبة الخطية الأصلية بوصفها فكر غربي معناها ان ملهاش أصول آبائية، ده كلام مش صح، ومش مدروس بشكل سليم آبائيا ... العقيدة فعلا فكر غربي نسبة لآباء اللاتين ، وضع حجر زاويتها امبروسيوس، وبلورها اغسطينوس، وتبنتها الكنائس الغربية حتى الآن سواء الكنيسة الكاثوليكية أو أغلب كنائس البروتستانت الكبرى ... في حين ان الكنيسة الأرثوذوكسية رغم اعترافها بقداسة اغسطينوس، إلا انها تأخذ عليه بعض الأخطاء العقيدية نتيجة لفكره الغربي القانوني، وديه واحدة من أشهر أخطاء اغسطينوس اللي بيتجلى فيها الفرق بين الفكر الآبائي الشرقي والفكر الآبائي الغربي ... فالكنيسة الأرثوذوكسية في النقطة ديه بتتبع الفكر الشرقي (وفي كل النقاط بتتبع الفكر الشرقي) ولكن المركز عليه هنا ان في النقطة ديه بالذات الفكر الشرقي والغربي متضادين ... 

7. في وقتها وفي عصرها، ده مسببش خلاف يخلي الأربع كنايس الشرقية تتهم الكنيسة الغربية بالهرطقة، ولا العكس ... على النقيض الكنيسة الغربية كانت متفهمة فكر الاربع كنايس الشرقية والاربع كنايس الشرقية كانوا متفهمين فكر الكنيسة الغربية، والاتنين مكانوش متفقين رغم التفهم للخلاف، بس الخلاف مكانش سبب تنقسم على أساسه الكنيسة وقتها، لان الخمس كراسي العظمى كانوا على قدر من النضج انهم يفهموا ان فيه فرق بين "العقيدة" و "شرح العقيدة"، خاصة لما يخضع شرح العقيدة لثقافة الزمكان ويستخدم باسلوب سليم للكرازة في الزمكان، لان متصلحش كرازة في زمكان بثقافة زمكان تاني (خاصة ما قبل عصر العولمة وتفهم الحضارات لاختلاف ثقافة الحضارات الأخرى الزمكانية وتبعاتها) ... 

8. حاول بعض السكولارز في الباترولوجيا مؤخرا معرفة سبب خطأ امبروسيوس واغسطينوس اللي اتبلور على اساسه فكر وراثة ذنب آدم وعقوبة خطيته، البعض أرجع السبب لترجمة غير دقيقة في عضر اغسطينوس وامبروسيوس لرسالة رومية 5: 12 ورد فيها المعنى الغربي صراحة في اللغة اللاتينية عن توارث الذنب بعكس النص اليوناني الدقيق اللي بيوضح ان انتشار الموت كان سببه ان الجميع أخطأوا "اجْتَازَ الْمَوْتُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ، إِذْ أَخْطَأَ الْجَمِيعُ"، والبعض أرجع السبب للثقافة الخاصة لزمانهم ولمكانهم، سواء فلسفية شرقية او قانونية غربية وتأثير ده على تربيتهم وفكرهم ونظرتهم للأمور، والبعض أرجع سبب ده خلفية امبروسيوس واغسطينوس على وجه الخصوص وعمله بالمحاماة (الخطابة/البيان) وده لولعه بدراسة الفقه والقوانين ورغبته في العمل بالمحاماة وبالقضاء، لدرجة وصلته انه يفتتح مدرسة لده وهو في سن ال 19 زاي ما ذكرت بعض المراجع ! والبعض بينسب ده لعدم نضج اللغة اللاتينية فلسفيا (مقارنة باللغة اليونانية) انها تستوعب فروقات الالفاظ اليونانية عن الطبيعة والبروسبون والاوسيا وغيرها ... مما سبب خلط فكري ولاهوتي ... بالاضافة لاسباب تانية متهمناش دلوقتي ... فيه كمان نقاش على "جدية" ولا "اصلية"، لكن دي قضية مش مجال مناقشتها هنا.

9. مرت قرون والفكرين اتبلوروا، الفكر الشرقي في الكنيسة الارثوذوكسية من منطلق ايمانياته الانطولوجية شرح الايكونوميا والثيولوجيا واستفاض في توضيح خطورة الفكر الغربي على المنظومة الفكرية للفكر الشرقي اللي بتنظر لله كأب غير معاقب ولا خالق للفساد ولا ملزم بالخطية للبشر، وكان رابط الايكونوميا والثيولوجية هو التأله، كله بيدور حوالين الله صار انسان ليصير الانسان إله، كله بيدور حول المسيح اللي فيه الصورة الانسالهية كمنهج استرشادي وأيقونة لينا، بمفهوم ما ليه بالطبيعة وما لينا بالنعمة ... في حين ان الفكر الغربي في الكنيسة الكاثوليكية وأشهر الكنائس البروتستانتية اتبلور اكتر مع الزمن وابتدا يأسس منهج مدرسي تبويبي (سكولاستي) للفكر الغربي، بيتناول كل فكرة على حدة في باب منفصل دون اهتمام بترابط التبويب المدرسي في كيان موحد، فمفيش حاجة بتربط التبويبات لان كل تبويب هو قضية منطقية منفصلة، واحد عن ضرورة الوجود الالهي، التاني عن ماهية الوجود، التالت عن اقانيم، الرابع عن السقوط والعقوبة، الخامس عن الابدال العقابي، السادس عن الاسرار ... الخ، وده كان كافي ليهم انهم ينشروا كرازتهم في ثقافات مختلفة وده واضح ان الكنيسة الكاثوليكية الحالية هي أنجح من بشرت سواء في افريقيا أو آسيا أو امريكا اللاتينية بتعدد ثقافاتها ...

10. الخلاصة ايه ؟ هلخصلكم الخلاصة في نقاط مختصرة:
أ. مفيش حاجة اسمها فلان "هرطق" عشان تَبَنَّى فكر شرقي أو غربي في القضية ديه؛ الاتنين تيارين لاهوتيين تميزت بيهم الكنيسة الاولى، والاتنين كان ليهم فضل عميق على التعليم اللاهوتي المسيحي لغاية للحظة دي.
ب. الفكر الشرقي والفكر الغربي كلاهم ليه أصول آبائية
جـ. الكنيسة الأرثوذوكسية تتبع الفكر الشرقي، وتتبع الفكر الغربي فقط ان وافق الفكر الشرقي
د. القضية مش قضية ألفاظ، القضية نظرة كاملة للإله ومنظومة لاهوتية كاملة
هـ. ينسب لاغطسينوس تأسيس تلك العقيدة ببذور امبروسية
و. مينفعش تقتبس لاغسطينوس او امبروسيوس وتعتبره الزام للأرثوذوكسية في قضية فيه اختلاف  بين الفكر الشرقي والغربي فيها (راجع نقطة 10جـ)، يقتبس لهم فقط كأدلة أرثوذوكسية في مواضع الاتفاق فقط بين الفكر الشرقي والفكر الغربي؛ ولا ينفع تقتبس اثناسيوس وكيرلس وتعتبرهم الزام للفكر الغربي في قضية خلافية بين الاتنين.
ز. الكنيسة الأرثوذوكسية كانت بالنضج الكافي لفهم ان شرح العقيدة بشكل مختلف لا يعني هرطقة طالما العقيدة المشروحة واحدة، ولكن لاختلاف زمكان السامع اقتضت الحاجة لملائمة مفرداته ومسلماته وخلفيته الثقافية
حـ.. نسب الفكر الغربي ـ المختلف مع الفكر الشرقي ـ للأرثوذوكسية، هو خلط وجهل، وتشويه للأرثوذوكسية من منابعها، مش لحاجة لكن لأنك بتنسب لتيار لاهوتي ما لاشأن له به.
ط. لا يمكن أن تدعي ارثوذوكسية الايمان مع رفضك للفكر الشرقي، وقبولك للفكر الغربي، ان تعارضا.
يـ.. الموضوع آبائيا مش تجري تدور على اقتباس آبائي، فيه خلفية ثقافية وحضارية لازم تدرس للعبارة ومن قبلها للكاتب ومن قبلها لخلفيته الزمكانية ومن قبلهم للتيار اللي نشأ فيه ومن قبلهم لتاريخ تطور العقيدة في الازمنة والامكنة من نشأة الكنيسة الأولى للعصر الحالي ...  كـ. الفكر الشرقي الكل في الكل فيه وجودي عن الفساد أو التأله، الفكر الغربي الكل في الكل فيه حقوقي عن العقوبة أو الخلاص ...

المقال حاول يبسط الموضوع قدر الامكان وأتمنى يكون نجح في ده... وأتمنى (وده لينا كلنا رغم انه موجه بصيغة المخاطبة)، أتمنى قبل ما تقتبس وتبتدي تدافع وتنشر كلام واقتباسات تأيد بيها وجهة نظرك ... #ادرس_أكاديمياً أولاً، وبعدها افعل ما شئت، أو اسع للتأله وتعلم وقتها بالاستعلانات الالهية بالروح القدس الساكن فيك ما لا ينطق به (وده المنهج الارثوذوكسي السليم بالمناسبة للاهوتيات)، فإن كنت لم تصل للقامة بعد في الأخيرة، فاتبع الأولي واكتفي بطعام الرضع روحيا فقط (أمثالنا)، وادرس أولا قبل ما تبتدي "تعك" !

No comments:

Post a Comment