Pages

Friday, November 7, 2014

الإيمان والإلحاد: تعليق على مؤتمر المركز الثقافي الإرثوذكسي

نشر المركز الثقافي القبطي – والذي يرأسه الأنبا أرميا- بتاريخ 6 نوفمبر 2014 إعلانًا عن مؤتمر لاهوتي بعنوان: "الرد العلميّ على الإلحاد" يُعقد يومي الإثنين والثلاثاء 10-11 نوفمبر 2014م. المؤتمر يستضيف ثمانية علماء أجانب بالإضافة للأنبا بيشوي الذي يُدير الحوار.
برغم من المجهود الذي يبدو أنه بُذل للإتفاق مع هؤلاء العلماء وتنظيم المؤتمر وغيره؛ إلا أن النوايا الحسنة لا يجب أن تكون مبررًا لأخطاء قاتلة في رأيي. تبدأ المشكلة من عنواني المؤتمر: [مؤتمر لاهوتي: الرد العلمي على الإلحاد].
 والسؤال الأول هنا: هل الإلحاد هو موقف إيماني أم موقف علمي؟!
وهذا ينقلنا للسؤال الثاني: إذا كان الإلحاد موقفًا "علميًا" (وهو ليس كذلك) فما دخل "اللاهوت بالأمر"؟! أما إذا كان الإلحاد موقفًا "إيمانيًا" فما دخل "العلم" بالأمر أيضًا؟!!


الأفكار الملتبسة
هناك عدة أفكار ملتبسة هي التي أدت لمثل هذا النوع من المؤتمرات:
أولا: عدم فهم الدوافع الحقيقية للإلحاد ولا طبيعته،والتعامل مع الملحد كأنه مريض نفسي أو كأنه أحمق لابد من "إخضاعه عقائديًا (بتعبير مارك لِلا)"
ثانيًا: عدم الفهم الصحيح لماهية وطبيعة الكتاب المقدس
ثالثًا: عدم التمييز بين القضايا الفلسفية والتاريخية والعلمية
رابعًا: إعتبار أن كل من العلم والإيمان لابد أن يدعمان بعضهما البعض (وهو أمر ناتج عن النقطتين 3و4)

فض الإلتباس
ماهو الإلحاد؟ الإلحاد هو موقف فكري وجودي سواء كان رفض لفكرة وجود الإله على المستوى الحقيقي (أي أنه لا يوجد وجود حقيقي للإله ربما لأنه لاتوجد أدلة علمية كافية على وجودة) أو على المستوى الإنساني (أي رفض لفكرة وجود إله يتسلط على الحرية الإنسانية). الإلحاد ليس إذًا موقفًا علميًا، بل هو موقف يقوم في بعض الإحيان على غياب الأدلة العلمية على وجود الله، لكن ليس في كل الأحيان.
وبرغم من أن الدوافع قد تختلف من شخص لشخص خاصة في المنطقة العربية، التي لازالت في طور الحبو في النمو الفكري، فقد تكون الدوافع عند بعض الاشخاص مادية بحتة. لكن في المجمل فالإلحاد ليس قضية علمية، بل فلسفية فكرية.
ليس المجال هنا مناقشة فكرة "غياب الأدلة العلمية على وجود الله"؛ قد أفرد لهذا مقالاً آخر. لكن ما يهمني هو موضوع المؤتمر.
المؤتمر يحاول إثبات أن الكتاب المقدس صادق علميًا، وأن نظريات مثل التطور وغيرها، هي نظريات خاطئة كليًا. تبدو هذه الفكرة بالنسبة لي وكأنك تريد أن تثبت صحة كتاب "التاريخ Ἱστορίαι" لهيرودوت بإستخدام نظريات فيثاغورس الرياضية؛ الأزمة في مثال "هيرودوت" أنك تريد إستخدام "أدوات العلم" بدل من "أدوات النقد التاريخي" لتثبت صحة "كتابًا تاريخيًا" وليس "كتابًا علميًا". الأمر هو ذاته فيما يختص بالكتاب المقدس.
ماهو الكتاب المقدس؟
بالنسبة للمسيحيين، ف الكتاب المقدس هو رسالة من الله الي شعبه، توجد به كلمات مباشرة من الله للإنسان كما توجد به إختبارات أشخاص تلامسوا مع الله ورأوا عظيم عمله: الكتاب المقدس هو سجل عمل الله مع الإنسان، والقصد منه هو إعلان عمل الله الخلاصي ووجوده.
إذًا فالكتاب المقدس ليس كتابًا علميًا وإنما عمل أدبي تاريخي، وحينما نقرر إختبار مدى صحته علينا أن نفعل ذلك مستخدمين أدوات التاريخ وليس أدوات العلم. فالكتاب المقدس في سرده التاريخي الأدبي إستخدم لغة البشر الذين دونوا وكتبوا هذه الأسفار بحسب ثقافتهم ومعرفتهم.
على سبيل المثال يخبرنا الكتاب المقدس أن الشمس تغرب وتشرق، ونحن نقول ايضًا في لغتنا الدارجة العادية أن الشمس تشرق وتغرب، من الناحية العلمية هذه الأمر غير دقيق فالأرض هي التي تدور حول الشمس؛ لكن هناك فرق بين التحدث بلغة علمية وبين التحدث بلغة عادية وصفية ناتجة عن الملاحظة وليس عن الإختبار العلمي؛ وبالتالي فلا يمكن القول ان الكتاب المقدس غير دقيق علميًا أو ان البشر في تعبيرهم عن الشروق والغروب مخطئين علميًا؛ فنحن نستخدم لغة الملاحظة لنصف الأحداث وليس غرض الكتاب المقدس أن يشرح أمورًا علمية.
وبالتالي كذا هو الأمر بالنسبة للإصحاحات الثلاثة الأولى من سفر التكوين، فالهدف منها ليس إعطاء تقريرًا عن الطريقة العلمية التي نشأ بها الكون أو وُجد بها الإنسان، بل هي تهدف في الأساس تقديم الإجابة عن مجموعة من الأسئلة الوجودية: "لماذا هناك وجود؟ لماذا أوجد انا؟ كيف أصبحت هكذا؟ وإلى أين الطريق؟"، الهدف منها إعلان أن كل شئ هو من الله وأن مصير الإنسان مرتبط بإرتباطه بالله.
إذًا، لا شأن للعلم بالكتاب المقدس، ولا شأن للكتاب المقدس بالعلم؛ بمعنى أشمل وأوسع، لا شأن للإيمان بالعلم ولا العلم بالإيمان.

الحجج المنطقية والإيمان
كتب جوناثان إدواردز هذه الكلمات: "قد تلعب [الحجج] دورًا فعالاً في تبنيه غير المؤمنين وحثهم على التفكير بجدية، وفي تثبيت إيمان القديسين الحقيقيين. ولكنها لا تتمتع بالأهمية ذاتها في خلق الإيمان الخلاصي لدى الأشخاص. فالإقتناع الروحي لا ينتج عن الحكم العقلاني، بل من إدراك مجد الأمور الإلهية وجمالها الروحي"[1]
إذًا فكرة "الرد العلمي على الإلحاد" فكرة عبثية لا طائل منها؛ فالإلحاد ليس قضية علمية كما ذكرت. ولا الرد العلمي على فكرة "غياب الأدلة العلمية على وجود الله" كاف لخلق الإيمان، فالإيمان الحقيقي حتى لو كان مبرهنًا بكل دليل مرئي وغير مرئي ليس نتاجًا لهذا الدليل بل مؤيدًا به فقط (راجع ما كتبه جوناثان إدواردز بالأعلى). العلم ليس هو الأداة الوحيدة للمعرفة (الإبستمولوجيا "فيديو") فهناك مصادر أخرى للمعرفة، كذلك العلم ليس هو الشكل الوحيد للعقلانية، فإفتراض شكل وحيد للعقلانية هو أمر ساذج.

ما الذي يجب أن تقدمه الكنيسة؟
يشير فيليب د. كِنسون إلى هذا قائلاً: " إن ما ينتظره عالمنا، وما تبدو الكنيسة متقاعسة عن تقديمه، ليس المزيد من الأحاديث عن الحق الموضوعي، بل شهادة متجسدة تعطي الأخرين سببًا للإلتفات لهذا الحق"[2]
الكنيسة ليست مطالبة بتحسين صورة الإيمان، أو بتقديم إيمان علمي؛ الكنيسة مطالبة أن تقدم شهادة حية على هذا الإيمان، وتقدم الإيمان في صورة عصرية عقلانية، وأن تنفضت غبار الإفتراضات الخاطئة والأفكار المسبقة التي وضعتها الكنيسة بيديها على الإيمان.

في الأخير
أعتقد أنه على الكنيسة أن تراجع نظرتها عن الإلحاد والملحدين، وتعيد النظر في فكرتها عن العلم والإيمان ومثل هذه القضايا. ربما المشكلة الرئيسية أن الكنيسة ليس لديها إقرار إيمان رسمي أو مواقف مجمعية رسمية تناقش ما يُستجد من أمور، على الكنيسة أن توسع من رؤيتها للقضايا اللاهوتية وأن تفتح الباب أمام البحث اللاهوتي الأكاديمي كي ما تستطيع أن تواكب قضايا العصر بصورة صحيحة لتقدم شهادة حية عن الإيمان لا أن تسبب في أزمات أكبر وأضرار أعمق لحقيقة الإيمان مثلما –في رايي- سيتسبب هذا المؤتمر، فهو سيزيد من تلك الصورة المشوهة عن الإيمان والتي أصبحت تقدم في كثير من الكنائس.



[1]  أليستر ماجراث، الدفاعيات المجردة، RZIM 2013، ص78
  [2]  ماجراث، 154

No comments:

Post a Comment