Pages

Monday, February 17, 2014

ثورة شعب وأحداث جارية: مقتطفات

الروايات حول الثورة
في جريدة الشروق وعلى موقعها الإلكتروني  -يوم الأحد 16 فبراير- كتب محمد أبو الغيط مقالاً بعنوان: "مرسى لم يتصل بهاتف الثريا"[1] ، في هذا المقال تحدث عن الروايات المختلفة التي تؤرخ للثورة المصرية منذ 25 يناير 2011:
"منذ الثورة نعيش صراعًا بين 4 روايات لتاريخها، كل تصور منها يختلف جذريًّا عن قرينه، وكل منها يؤدي لنتائج مختلفة تمامًا.


الرواية الأولى هي السائدة سابقًا عن الثورة الجميلة، التي نزلها الشباب الطاهر، شباب الطبقة الوسطى من طلاب الجامعات ورواد "فيس بوك"، وأعضاء الحركات الشبابية، واعتصموا بكل سلمية حتى استجاب لهم مبارك وسقط النظام، ثم على كل منهم أن يكون "الثائر الحق" فيهدأ ليبني الأمجاد!
الرواية الثانية هي التي كافحنا طويلًا للاحتفاظ بها، وهي عن الثورة القبيحة وشبابها غير الطاهر، عن الدم والنار والمولوتوف والرصاص والهتافات البذيئة والفوضى غير الخلاقة! عن أهالي المناطق الشعبية الذين أحرقوا الأقسام، وسرقوا سلاحها، وأحرقوا المدرعات، ومارس بعضهم السرقة وتناول المخدرات، ثم هدأوا ليندمجوا في الإضرابات العمالية والفئوية.. نقول ذلك لا امتداحًا ولا ذمًا، ولكن تقريراً لحقائق.
الرواية الثالثة هي ما يراه قطاع من الإخوان، بأن الفضل كل الفضل في نجاح الثورة للإخوان وحدهم، ولولاهم وحدهم لتم إخلاء الميدان بكل سهولة في موقعة الجمل وانتهت الثورة تمامًا!
أما الرواية الرابعة البائسة فهي التي كانت تُردد على استحياء في البداية، ثم أصبحت تردد بعزف جماعي صاخب، حتى يكاد صوتها يتجاوز الرواية الأولى، وهي أن الثورة كانت مؤامرة كبرى، خطط لها عناصر حماس وحزب الله وأمريكا وإسرائيل وأوروبا، لتقسيم البلاد وهدم الدولة، وهؤلاء هم من اقتحم السجون، ثم تسلوا في أوقات فراغهم بإحراق الأقسام وقتل المتظاهرين - مع فرسان مالطا طبعًا - وهكذا فجأة أصبح الجميع خبراء في حروب الجيل الرابع، والطابور الخامس!"

 الرواية المنتصرة
أصبحت الرواية الرابعة هي السائدة اليوم، خاصة منذ تدهور شعبية مرسي مرورًا ب30 يونيو ثم أخيرًا مع إقتراب الإنتخابات الرئاسية. شاهد اي قناة تلفزيونية: التحرير، الفراعين، النهار، سي بي سي، اون تي في ... إلخ كلها تردد نفس الرواية: رواية المؤامرة الكونية، الماسونية، فرسان مالطة، حماس وحزب الله.
يوم الجمعة الماضي (14 فبراير 2014) شاهدت بالمصادفة برنامجًا يدعى (صح النوم) على قناة التحرير، كان المذيع يستضيف إمرأة تقول أنها تحمل دكتوراة في البرمجة اللغوية العصبية ورجل ألف كتابًا بعنوان "من قتل إبراهيم الفقي". المرأة والرجل كانا يتحدثان على المؤامرة الكونية التي دبرها الموساد مع المخابرات الامريكية والبريطانية ... إلخ لإغتيال ابراهيم الفقي، والسبب بحسب ذكرهما انه كان خبيرًا في الطاقة الكونية ويتعامل مع مستويات مع الطاقة لا يعرفها أحد!!!!، وتم عرض الأمر على أنه جزء من المؤامرة الدولية التي تحاك ضد مصر وأدت لحدوث 25 يناير.
إنتشار هذه الرواية في مختلف القنوات التلفزيونية والجرائد، يدل على أمرين:
الأمر الأول: أن الناس أعجبتها الرواية وصدقتها وأحبتها، فلا مانع إذًا من التمادي فيها.
الأمر الثاني: أن الذي يراهن على ذاكرة الشعب المصري القصيرة جدًا حتمًا سيفوز.
في مقال على موقع الدستور الأصلي،  وبتاريخ 26 يوليو 2011 (اي بعد عدة اشهر من الثورة) كتب إبراهيم عيسى مقال بعنوان: "الوطنية خط أحمر"[2] قال فيه الآتي:
"الجيش قلعة الوطنية المصرية لا يجب أن يتورط جنرال فيه أبدا فى الطعن على وطنية مواطن واحد فى مصر. لكن المؤسف المؤلم أن بعض الجنرالات يفتحون باب الجحيم هذه الأيام بمنتهى الحماس والثقة فيلقون تهم العمالة والخيانة على قوى سياسية وطنية بشكل يوحى بأنهم يقرؤون من ملفات أمن الدولة أو يستمعون لنصائح تأتيهم من اللواء حسن عبد الرحمن مدير جهاز أمن الدولة المنحل"
ثم أضاف بعد عدة أسطر:
"مطلوب إذن ممن يصدق هذا الخيال أن يعلن أدلته ويقدمها للقضاء بدلا من الإدلاء بها فى مداخلات البرامج التليفزيونية التى يبدو أنها صارت من مهام عمل بعضهم هذه الأيام، واللى ناقص يطلعوا يقولوا إن أفرادا من حركة حماس وحزب الله هم الذين اقتحموا أقسام الشرطة والسجون وهم الذين قتلوا المتظاهرين بالمرة وإن معلومات طلعت زكريا الذكية والثمينة هى التى تحرك الاتهامات تجاه الثوار والمتظاهرين والمعتصمين. ساعتها لو ثبت ذلك سنطلب من المجلس العسكرى إعادة حسنى مبارك فورا من شرم الشيخ ليحكمنا وبالمرة يجيب ابنه ما دام الجنرالات يقولون نفس كلام الديكتاتور وأجهزته ويعتقدون فى صحته وسلامته، يبقى بلاها ثورة وحماية ثورة وعد كما كنت، وبالمرة نتأسف جدا للريس".
هذا "الخيال" كما سماه إبراهيم عيسى وقتها (وقد تغير الأمر بالنسبة له الآن)، هو ما يروج له الإعلام المصري الخاص والعام الآن.
هذه الروايات المعطوبة، يتم تدعيمها بتسريبات مكالمات صوتية عن طريق المذيع "الأمنجي"، ومعظمها لا يدين أحد نهائيًا، لكن طريقته في العرض والتأويل والتفسير توحي للمشاهد المستعد والمتحمس بالطبع لسماع المؤامرات- أنها تدين أصحابها حتى النخاع. والبعض الآخر من هذه المكالمات هو مثير للسخرية، مثل المكالمات المسجلة بين أيمن الظواهري ومحمد مرسي، فتسجيل مثل هذه المكالمات يعني حتمًا إمكانية تحديد مكان الظواهري وبالتالي كان قد تم القضاء عليه مثلما حدث مع بن لادن.

التخلص من محمد مرسي
جاء محمد مرسي وتنظيمه إلى السلطة، بدعم وتأييد وموافقة ومباركة مجلس طنطاوي العسكري. المؤسسة العسكرية ليست بريئة حتمًا مما حدث وقتها. لكنها سرعان ما تداركت الموقف وأطاحت بمرسي الذي كان سيذهب بالبلاد إلى غياهب لا يعلمها أحد. خرج الشعب بالملايين للإطاحة بمرسي مثلما أطاح من قبل بمبارك الذي جمد البلاد مدة ثلاثين سنة، صحيح أن الشعب خرج للتخلص من مرسي لكن هذا لا ينفي أن مؤسسات الدولة قد ساهمت بشكل مباشر وغير مباشر في الإعداد لمثل هذه الإطاحة، مثال ذلك الإنقطاع المستمر للمياه والكهرباء، أزمة البنزين، وكلها بدت وكأنها أزمات مفتعلة تمهد لإنتهاء رصيد مرسي الشعبي سريعًا (والذي كان قد قارب على النفاذ بالفعل)، حتى الحرس الوطني في وقت من الأوقات لم يتدخل نهائيًا في ردع الذين تظاهروا امام القصر الجمهوري وأخذوا يلقون بزجاجات المولوتوف لمدة طويلة على القصر مما أدي لإشتعال بعض الشجار داخل القصر (الحرس الوطني الذي يفترض أنه يقوم بحماية القصر والرئيس بصفته وليس بشخصه).
لكن كانت حماقات مرسي كفيلة بتجييش الشعب دعمًا لحملة تمرد والمطالبة بالإطاحة بمرسي، وهو ماحدث.

ما الذي كنا ننتظره
كنا ننتظر العودة إلى مربع الديموقراطية، إلى المسار الصحيح الذي كاد أن يبدأ بتنحي مبارك. لكن لا يبدو أن هذا الأمر سيلوح في الأفق قريبًا. بدأت التسريبات الصوتية تظهر من أجل تشويه وقمع أشخاص كان لهم دورًا إيجابيًا في الثورة. وبدأت حملات الإعتقال للناشطين السياسيين. يدعم كل هذا ويؤيده ويهلل له القنوات المحلية والفضائية. في حوار أجراه المصري اليوم في عدده الصادر 14 فبراير 2014 مع د. فؤاد عبد المنعم رياض رئيس لجنة تقصي  حقائق 30 يونيو[3]، قال أن مهمة اللجنة هي فحص "كل الأحداث التي وقعت بعد 30 يونيو 2014 حتى كتابة التقرير الختامي"،  ثم أضاف مجيبًا عن سؤال متعلق بالمؤشرات الأولية لطبيعة ماحدث في الأحداث المختلفة: "فعلا بدأت تلوح مؤشرات أولية لكن لا أستطيع الأفصاح عنها ومن المصلحة ألا أقول لك ولو قلت لك قد لا تعجبك... بعض الأمور الإعلان عنها لا يشرف المجتمع وهي تمتد منذ الحقب الماضية"، ثم علق في نهاية اللقاء مجيبًا عن سؤال حول ان كان يمكن توجيه اتهامات للحكومة المصرية في المحافل الدولية إستنادًا لتقرير تقصي الحقائق: "نعم بالطبع، فالتقرير الختامي قد يشكل دليلاً متكاملاً في حد ذاته، ومستند قد يستخدم ضد الحكومة إذا ما تضمن إشارات واضحة تشير إلى عدم معالجتها السليمة لبعض الأمور أو اي شخص آخر"                                                           
تحمل كلمات فؤاد عبد المنعم رياض إشارات دفينة وخطيرة، الجهاز الأمني لازال يعمل بنفس العقلية منذ إنقلاب يوليو العسكري: إما أن تكون معنا أو فأنت علينا، الجميع إما أعداء أو أصدقاء. لا تعترف الأجهزة الأمنية بفكرة المعارضة، لا يوجد مبرر منطقي لذلك.  لكن الفساد المادي والعقلي إستشرى في جميع مؤسسات المجتمع.

التوازن والنهوض واللوم
لا وجد توازن في اي شئ، إما التراخي التام او القمع التام. إما الفوضى أو الديكتاتورية. من الذي يمكن أن نلقي عليه اللوم؟ بالتأكيد هو الشعب: لا تلمن إلا نفسك، الشعب تُقَدم له روايات المؤامرة وهو يصدقها، الشعب تُسرب له المكالمات وهو يهلل فرحًا بها ويستمع إليها بلذة وهو يتناول المقبلات. الشعب بنفسه هو الذي يدفع بذاته نحو الإنحدار والهاوية. الشعب ذاته بالأمس كان يدفع نحو النهوض، فلولا الضغط الشعبي الشديد لما سلم المجلس العسكري السلطة وما كان عقد إنتخابات رئاسية (أيًا كانت نتائجها) لكن الضغط الشعبي حرك مياهًا راكدة. هو نفسه الشعب اليوم الذي يدفع بنفسه مرة أخرى إلى تلك البركة الآسنة، هو لا يتحرك ولا يرفض تلك التسريبات، أنا لا أقل أبدًا أن الذين سربت مكالماتهم ابرياء، ربما لا يكونوا كذلك، لكن الأمر القانوني هو أن تقدم تلك المكالمات للتحقيق فيها ويحكم القضاء على البرئ بالبراءة والمذنب بالإدانة، لا أن تعرض تلك المكالمات في سيرك شعبي، لكن الشعب احب السيرك، وبالتالي يسهل عمل من يريدون قمع الأصوات المعارضة. لا أتحدث هنا عن الأخوان ولا عن اي من تيارات الاسلام السياسي، هي تيارات ارهابية منذ نشأتها والإرهاب يجب قمعه وإستئصاله، لكن أتحدث عن النشطاء السياسيين والطلبة وغيرهم من من يتم التنكيل بهم. كان يجب على الشعب ان يقول: لا نريد مثل هذه المكالمات قدموها للقضاء لكن إمنعوا اذاعتها على العامة بمثل هذه الطريقة.
النهوض هو: التعليم، تنوير العقل المصري الذي صدأ.
التنوير هو الحل!

السيسي مرشحًا ثم رئيسًا
يمكن للمشير السيسي أن يصبح رئيسًا عظيمًا لمصر ينهض بها لمستوى آخر، أو أن يصبح ديكتاتورًا آخر. والذي سيحدد هو الشعب، السلوك الشعبي تجاه المشير رئيسًا هو الذي سيحدد أي نوع من الرؤساه سيكون. لو إستمر الشعب في حالة التطبيل والتأليه اللانهائية التي تحدث الآن فسيتحول أي عظيم إلى ديكتاتور، لكن لو تعامل الشعب تجاه المشير معاملة الشعب مع الرؤساء: إحترام، تقدير، مراقبة، محاسبة، نقد، فسيصبح الرجل رئيسًا عظيمًا.

ختام
نحن نعيش في عالم ملئ بالأكاذيب، خلال قرابة اربع سنوات من عمر الثورة،  لايمكن تحديد ايًا من الأمور هو حقيقي وأيًا منها هو زائف، كثير من الزيف كثير من الاكاذيب كثير من التضليل. علينا ان نبحث عن الحقيقة وأن نتحلى بذاكرة قوية تتذكر كل الأحداث جيدًا، نؤرخ ونحلل ونسطر التاريخ، حتى لا تحكم علينا الأجيال القادمة أننا فشلنا في إستيعاب ما حدث لنا، وأننا كنا ضحايا أنفسنا وضحايا جهلنا، لا ضحايا مؤامرات خارجية كونية.
هذا لا يعني أنه لا توجد مؤامرات، لكن أكبر المؤامرات هي تلك التي نحيكها بخيالاتنا.





[1] http://www.shorouknews.com/columns/view.aspx?cdate=16022014&id=cc2e9ad3-fe07-4f9d-9dae-4fb64ebe44db
[2] http://tahrirnews.com/columns/view.aspx?cdate=26072011&id=9e9a5200-83bf-4b92-a49b-66b9f180f262
[3] http://today.almasryalyoum.com/article2.aspx?ArticleID=414070&IssueID=3142

1 comment: